مؤسسة الشرق الأوسط للنشر العلمي
عادةً ما يتم الرد في غضون خمس دقائق
لنظرية أفعال الكلام _على غرار غيرها من نظريات اللغة_ خلفية أنثروبولوجية،
فقد تجسدت بدايات التفكير التداوليّ في دراسات الأنثروبولوجي برونسلاف مالينوفسكي
بفضل أسلوبه الأثنوغرافي في دراسة لغة البدائيين، إذ كانت نظريته الشهيرة في
السياق وليدة دراساته الميدانية في المجتمعات البدائية عندما شغلته لغة السكان
الحيّة, ووجد في عدم فهمها عائقًا يحول دون فهم المجتمع. وهنا تظهر أهمية هذه
الدراسة التي تُعنى بالوقوف على جذور نظرية أفعال الكلام خارج ميدان اللغة
والفلسفة، فقد كثرت الدراسات التي عادت بجذور هذه النظرية إلى إرهاصاتها في الخطاب
اللغوي القديم وإلى ميدان الفلسفة، لكن قلّما يتطرق الدارسون إلى جذورها في ميدان
الأنثروبولوجيا.
قارب ماليوفسكي قضايا جوهرية تمسّ التداولية، لاسيّما قضية تسييق اللغة قبل
أن تتطور لدى فيرث وهايمز, ونظرية أفعال الكلام قبل أنْ تنضج وتكتمل على يد أوستن
وجون سيرل. فما شغل مالينوفسكي في اللغة البدائية هو سمتها الفاعلة في الحياة،
واقترانها الوثيق بالعمل، فالكلمات لا تستعمل إلّا حين يمكن أنْ تُحدِث فعلًا أو
تكون ترجمة للنوازع الاجتماعية، أو إحداثًا لتأثيرات متوقعة في الآخرين. وهنا تظهر
الوظيفة الفعلية للغة من كونها قوة بذاتها تُحدِث أشياء في العالم، إنّها سرّ
الفعل وسرٌّ لتجلّي الأشياء وتحقيقها, وليست مجرد وصف أو تعريف لها أو ترجمة
تقريرية لِمَا في العالم.
وقفت الدراسة عند(فعل التأثير) في الفعل الكلاميّ أيضًا, والذي حدا بالباحث
إلى هذا هو أنّ فعل التأثير لم يلق عناية كافية لدى التداوليين عمومًا، وأوستن
وسيرل خصوصًا، وهذا عائد على اختلاف زاوية النظر بين الاتجاهين.