الإصدار السابع والثلاثون: ٢٥ أيلول/سبتمبر ٢٠٢١م
من المجلة العالمية للعلوم الشرعية والقانونية

تصرفات الفقهاء في الألفاظ الشرعية وأثرها في تحجير دلالاتها والتضييق على المكلف

إبراهيم بوعدي

إن أحكام الشرع من حيث ضبط الشارع لها قسمان؛ قسم قصد الشارع ضبطه بالتحديد والتقدير؛ لأن انقياد المكلف له لا يتم إلا بذلك كما قال الشاطبي ::«أما العاديات وكثير من العبادات أيضا فلها معنى مفهوم، وهو ضبط وجوه المصالح، إذ لو ترك الناس والنظر لانتشر ولم ينضبط، وتعذر الرجوع إلى أصل شرعي، والضبط أقرب إلى الانقياد ما وجد إليه سبيل، فجعل الشارع للحدود مقادير معلومة، وأسبابا معلومة لا تُتعدى، كالثمانين في القذف، والمئة وتغريب العام في الزنا على غير إحصان، وخص قطع اليد بالكوع وفي النصاب المعين، وجعل مغيب الحشفة حدا في أحكام كثيرة، وكذلك الأشهر والقروء في العدد، والنصاب والحول في الزكوات...» ومن مقاصد ذلك التحديد أيضا التيسيرُ على المكلف، قال الطاهر بن عاشور ::«الشريعة لما قصدت التيسير على الأمة في امتثال أحكامها وإجرائها في سائر الأحوال، عمدت إلى ضبط وتحديد يتبين لها جليا وجود الأوصاف والمعاني التي راعتها الشريعة» والقسم الثاني من أحكام الشريعة أطلقه الشارع ولم يقيده بقيد أو حد أو مقدار، بل جعل عدم ضبطه هو عين ضبطه وتحديده، وعين مصلحة المكلفين والتيسير عليهم؛ ذلك أن طبائعهم وأعرافهم وحاجاتهم تختلف، بحيث لا يستقيم معه إلزامهم جميعا بحد أو مقدار معين، فكانت المصلحة في إرسالها وترك تحديدها، حتى يتساوق ذلك مع ظروف الناس وحاجاتهم التي اعتبرها الشارع في هذا القسم دون القسم السابق، لتأثرها بها سلبا وإيجابا. ومن شواهد هذا النمط من أحكام الدين المقيدة بحد؛ إناطة قصر الصلاة والمسح على الخفين بمسمى السفر مطلقا؛ أي سواء كان سفرا طويلا أم سفرا قصيرا، ونحو ذلك من الأمثلة التي سيعنى هذا البحث بها وبمناقشة من قال فيها بالتحديد والتقييد. وإذا تقرر ذلك؛ فإنه يجب الالتزام بحدود الشرع التي رسمها لشريعته، وذلك بالعمل بمقتضى ما أطلقه منها عن القيود، وتركِه على إطلاقه وعمومه، والعملِ بموجب ما قيده منها، وتركِه على ما هو عليه من التقييد، ومخالفةُ هذا يعد تصرفا في شرع الله بما لم يأذن به الله، وتجاوزا لحدوده التي وضعها لعباده من خلال أحكامه وشرائعه، ونقضاً لمقاصده من ذلك الإطلاق والتحديد، وتوسيعا لما لم يوسعه، وتضييقا على المكلف فيما وسعه الله عليه كما سيأتي بيانه. وعليه؛ فلا يجوز إخراج الأفراد الداخلة تحت الألفاظ والأسماء الشرعية المطلقة منها بضروب التحديد والتقييد غير السائغ، كما أنه لا يجوز توسيعُ دلالاتها بغير مقتضى بإدخال الأفراد الحادثة والعبارات المتواضع عليها عرفا، تحت الأسماء الشرعية واللغوية التي قصر الشارع مدلولها على ما كان موجودا في زمن ورود الخطاب الشرعي، أو على ما اقتضاه لسان العرب ومجاري كلامها؛ لأن «القضايا متلقاة من الألفاظ، وتواضعُ الناس عبارات لا يغير وضع اللغات ومقتضى العبارات». فـ«الفقيه ملزم بأن لا يزيد أو ينقص مما تدل عليه الأدلة الواردة فيما ينظر فيه... فهو ليس إلا راسما بألفاظه لما هو مأخوذ من تلك الأدلة، فإذا تحصلت لديه حقيقة لفظ شرعي ما، واستبانت له صورة ذلك على تمام وبيان؛ فإنه يتصرف في بناء الأحكام الفقهية في موضعها وفق ذلك»، ولا يتعداه. قال ابن حزم ::«الفرض على الجميع الثبات على ما جاء به النص ما دام يبقى اسم ذلك الشيء المحكوم فيه عليه؛ لأنه اليقين، والنُقلة دعوى وشرع لم يأذن الله تعالى به» وهذا ما لم ينضبط له جمهرة من الفقهاء في كثير من الأحكام التي أطلقها الشارع ولم يحدها بحد ولا قدر، إذ أضافوا عليها تحديدات وقيودا لا يقوم عليها دليل معتبر، وإن كان بعضهم يتعلق في ذلك التقييد بمدارك وأدلة واعتبارات يحسبها موجبة له، غير أنك عند فحصها والنظر فيها، تجدها إما أدلة لا تقوى لتُقيد النص الشرعي، أو اعتبارات موهومة لا وجه في الاستمساك بها

شراء - 10.00دولار